ابن خلكان
38
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
أخاصمك لأن الحكم يومئذ إلى غيرك ، قال : نقمعك عن الكلام السيء ؛ يا حرسيّ اضرب عنقه ، واومأ إلى السياف ألا تقتله ، فجعل يأتيه من بين يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف ، فلما طال ذلك رشح جبينه ، قال : جزعت من الموت يا عدو اللّه ؟ قال : لا يا فاسق ولكن أبطأت علي بما فيه راحة ؛ قال : يا حرسي ، أوجب جرحه ، فلما أحس بالسيف قال : لا إله إلا اللّه ، واللّه لقد أتمها ورأسه في الأرض . وقال القاضي « 1 » : لما حمل الأسرى إلى الحجاج وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن يبني مدينة واسط قال لحاجبه : قدم إلي سيدهم فيروز بن الحصين ، فقال له الحجاج : أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء ؟ قال : فتنة عمت الناس ، فقال : اكتب لي أموالك ، قال : ثمّ ماذا ؟ قال : اكتبها أولا ، قال : ثم أنا آمن على دمي ؟ قال : اكتبها ثم أنظر ، قال : اكتب يا غلام ، ألف ألفي ألف ، حتى ذكر مالا كثيرا ، فقال الحجاج : أين هي وعند من هي ؟ قال : لا واللّه لا جمعت بين مالي ودمي ، فأمر الحجاج فعذب بأنواع العذاب ، وكان من جملة ما عذب به أن يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجر حتى يجرّح جسده ثم ينضح عليه الخلّ والملح ؛ فلما أحس بالموت قال : إن الناس لا تشكنّ أني قتلت ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا ، فأظهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال ، فأخرج فصاح في الناس : من عرفني فقد عرفني ؛ أنا فيروز ، إن لي عند أقوام مالا فمن كان لي عنده شيء فهو له وهو منه في حل فلا يؤدين أحد منه درهما ، ليبلغ الشاهد الغائب ؛ فأمر به الحجاج فقتل . وجلس الحجاج يوما لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس ، فقام رجل منهم فقال : أصلح اللّه الأمير ، إن لي عليك حقا ، قال : وما حقك ؟ قال : سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عليه ، فقال : من يعلم ذلك ؟ قال : أنشد اللّه رجلا سمع ذلك إلا شهد به ، فقام رجل من الأسرى فقال : قد كان ذاك أيها الأمير ، قال : خلوا عنه ، ثم قال للشاهد : فما منعك أن تنكر كما أنكر ؟ قال : لقديم بغضي إياك ، قال : ولنخلّ عنه لصدقه .
--> ( 1 ) أوردت نسخة ر قبل هذه القصة حديث الحجاج مع الغضبان بن القبعثري .